ملا محمد مهدي النراقي
99
جامع السعادات
لي دعوة واحدة لخصصتها بإصلاح حال السلطان حتى يعم نفعه . تنوير لا حاجة إلى العدالة مع رابطة المحبة لو استحكمت رابطة المحبة وعلاقة المودة بين الناس لم يحتاجوا إلى سلسلة العدالة ، فإن أهل الوداد والمحبة في مقام الإيثار ولو كان بهم خصاصة ، فكيف يجور بعضهم على بعض . والسر أن رابطة المحبة أتم وأقوى من رابطة العدالة ، لأن المحبة وحدة طبيعية جبلية ، والعدالة وحدة قهرية قسرية . على أنها لا تنتظم بدون المحبة ، لكونها باعثة للإيجاد ، كما أشير إليه في الحديث القدسي : " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف " . فالمحبة هو السلطان المطلق ، والعدالة نائبها وخليفتها ( 18 ) . وصل التكميل الصناعي لاكتساب الفضائل على طبق ترتيب الكمال الطبيعي لاكتساب الفضائل ترتيب ينبغي أن لا يتعدى عنه . وبيان ذلك : أن مبادئ الحركات المؤدية إلى الكمالات : إما طبيعية كحركة النطفة في الأطوار المختلفة إلى بلوغ كمال الحيوانية ، أو صناعية كحركة الخشب بتوسط الآلات إلى بلوغ كمال السريرية . ثم الطبيعية وتحريكاتها لاستنادها إلى المبادئ العالية تكون متقدمة على الصناعية المستندة إلى الإنسان ، ولما كان كمال الثواني أن تتشبه بالأوائل ، ينبغي أن تقتدي الصناعية في تحريكاتها المؤدية إلى كمالها بالطبيعية . وإذ ثبت ذلك فاعلم : أن تهذيب الأخلاق لما كان أمرا صناعيا لزم أن يقتضي في تحصيله من حيث الترتيب بأفعال الطبيعة في ترتيب حصولها ، فنقول : لا ريب في أن أول ما يحصل في الطفل قوة طلب الغذاء ، وإذا زادت تلك القوة يبكي ويرفع صوته لأجل الغذاء ، وإذا قويت حواسه وتمكن من حفظ
--> ( 18 ) ولذلك إن الشريعة الإسلامية أول ما دعت فيما دعت إلى الأخوة والتآلف بين الناس ، وكثير من أحكامها مثل الجماعة والجمعة والإيثار والاحسان وتحريم الغيبة والنبز ونحو ذلك تستهدف إيجاد رابطة الحب بين الشعوب والقبائل والأفراد ، ليستغنوا عن الأخذ بقانون العدل الصارم المر .